القاضي التنوخي

182

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فلمّا غابت عنّي ، قلت : هذا الآن ، هو الحيلة المحكمة ، أعطتني خمسة آلاف درهم ، وأخذت ألف دينار ، وليس إلَّا بيع عقاري الآن ، والحصول على الفقر المدقع ، ثم سمحت نفسي برؤيتها مع الفقر . وتطاولت غيبتها نحو شهر ، وألحّ عليّ التجار في المطالبة ، فعرضت عقاري على البيع ، ولازمني بعض التجّار ، فوزنت جميع ما أملكه ، ورقا وعينا . فأنا كذلك ، إذ نزلت عندي ، قزال عنّي جميع ما كنت فيه برؤيتها ، فاستدعت الطيار والتخت ، فوزنت المال ، ورمت إليّ تذكرة يزيد ما فيها على ألفي دينار بكثير . فتشاغلت بإحضار التجار ، ودفع أموالهم ، وأخذ المتاع منهم ، وطال الحديث بيننا ، فقالت : يا فتى ، لك زوجة ؟ فقلت : لا ، واللَّه ، ما عرفت امرأة قط . وأطمعني ذلك فيها ، وقلت : هذا وقت خطابها والإمساك عنها عجز ، ولعلَّها لا تعود . وأردت كلامها فهبتها ، وقمت كأنّي أحثّ التجّار على جميع المتاع ، وأخذت يد الخادم ، وأخرجت له دنانير ، وسألته أن يأخذها ، ويقضي لي حاجة . فقال : أفعل ، وأبلغ محبّتك ، ولا آخذ شيئا . فقصصت عليه قصّتي ، وسألته توسّط الأمر بيني وبينها . فضحك ، وقال : إنّها لك أعشق منك لها ، وواللَّه ما بها حاجة إلى أكثر هذا الذي تشتريه ، وإنّما تجيئك محبّة لك ، وتطريقا إلى مطاولتك « 1 » ،

--> « 1 » ( 1 ) المطاولة : المجالسة والمحادثة ، راجع القصة 1 / 135 من النشوار ص 253 ، وطرق للشيء : جعل له طريقا .